نيلسون مانديلا: ابن إفريقيا البار

،عندما يغير رجل واحد مصير بلاده

ولادة “نيلسون” الإنسان

كان الفتى الأسود، نيلسون، ابن رئيس قبيلة التيمبو في جنوب إفريقيا كغيره من بني جنسه الذين مورست عليهم أقسى أنواع الميز العنصري في بلاده منذ بداية العشرينات. وهو ما اضطر والده إلى تعميده في الكنيسة، وتغيير اسمه في المدرسة من”روليهلاهلا” إلى “نيلسون” ليكون قادرا على مواصلة الدراسة. لم يبق الفتى مجرد مفعول به، بل نسب لنفسه صفة الفاعل واختار أن يقاتل من أجل حقه وحق شعبه في المساواة. بدت كل الأشياء مستحيلة حتى بدأ نيلسون مانديلا بفعلها.

ولأن التعليم كما قال عنه مانديلا هو “أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم”، واصل نيلسون مشواره الدراسي بخطى ثابتة وانتقل من الدراسة في جامعة فورت الى جامعة جوهانسبورغ لدراسة القانون. هناك بدأ فعليا في تحقيق رؤيته النضالية على أرض الواقع وذلك بانخراطه في العمل السياسي. فقد التحق بحزب المؤتمر الوطني الإفريقي سنة 1944.

عرفت الحركة المناهضة للفصل العنصري تحولا هائلا بانضمام نيلسون مانديلا. فقد أنشأ بالشراكة مع زميله وقائد الحزب “تامبو” أول مكتب للمحامين السود في البلاد، متخصص في قضايا الميز العنصري بعد سنة 1948. وفي سنة 1955، شارك مانديلا في صياغة ما يعرف بـ”ميثاق الحرية”. وهي وثيقة تدعو إلى المساواة الاجتماعية في جنوب إفريقيا. وهو ما جعله مستهدفا باستمرار من السلطة وتتالى فرض القيود عليه منذ سنة 1952. فقد مُنع من السفر كخطوة أولى، خوفا من وصول صوته للعالم، ثمّ حجّر عليه تماما تنظيم التجمعات أو إلقاء الخطابات. وتواصل تضييق الخناق على مانديلا بإلقاء القبض عليه مع مجموعة من مناصريه سنة ،1956 وبقي قيد المحاكمة حتى تبرئته سنة 1961.

“عندما يحرم الرجل من حقه في الحياة التي يؤمن بها، لا خيار لديه إلا أن يصبح خارجا عن القانون.”

نيلسون مانديلا بين السلم والكفاح

سنة 1960 عرف موقف نيلسون مانديلا الرافض للعنف الثوري تغيّرا جذريا بعد المذبحة التي اقترفتها الشرطة في حق السود العزّل، إيمانا منه بأنه “لا شغف في قبولك حياة أقل من تلك التي يحق لك أن تعيشها”.

دعا مانديلا للكفاح المسلح ضد النظام في جنوب إفريقيا، وكان أول المنخرطين في هذا الاتجاه. فقد أسّس الجناح العسكري لحزبه وسافر إلى الجزائر للتدرب على حرب العصابات. ولُقّب حينها بـ”البرقوق الأسود” نظرا لقدرته على تجنب الاعتقال لفترة طويلة، لكنه وقع في النهاية في قبضة شرطة النظام بعد عودته من الجزائر سنة 1962 وحُكم عليه لاحقا بالسجن خمس سنوات.

في أكتوبر من سنة 1963، بدأت محاكمة نيلسون مانديلا ومجموعة من رفاقه بتهم الخيانة والتآمر على النظام في محاكمة “ريفونيا الشهيرة” التي ألقى خلالها مانديلا خطابا تاريخيا كرّر فيه جملة “نريد أن يُسمح لنا بأن نحيا” وختمه بالعبارة الأشهر “أنا مستعد للموت”. شكلت هذه العبارة عنوان الخطاب الذي استقطب اهتماما وإشادة دولية وجعل منه رمزا وطنيا ضد العنصرية. حكم على مانديلا بالسجن المؤبد في جويلية 1964.

إجازة طويلة لــ27 سنة

قضى مانديلا 18سنة في سجن بجزيرة نائية قبل أن يتم نقله إلى سجن آخر بمدينة بارل، بعد تلقيه العلاج من مرض السل. خلال تلك الفترة، حاولت حكومة جنوب إفريقيا تقديم عروض مشروطة لإطلاق سراحه أهمها عرض قُدم في عام 1985، يلزم مانديلا بنبذ استخدام العنف لكنه رفض كل العروض. وتشبث بمبدئه “إنّ الحرية لا تقبل التجزئة، لأن القيود التي تكبل شخصا واحدا في بلادي إنما هي قيود تكبل أبناء وطني أجمعين.”

لم يتوقف نيلسون مانديلا عن إزعاج السلطة حتى وهو في السجن. فقد واصل إرسال مراسلات وتسجيل مقابلات، لتستمر معركة الحرية في الخارج، وتبدأ في المقابل معركة أخرى من الداخل لتمكينه ومن معه من المساجين من أبسط حقوقهم. حُرم مانديلا من السجناء من حق التعليم لكنه تابع دراسة القانون عن بعد بجامعة لندن. اعتبر مانديلا حياته في السجن مرحلة تأمل وتفكير، لكنه قال عن بعض عذاباته خلالها: “الجروح التي لا يمكن رؤيتها أكثر إيلاما من تلك التي يمكن رؤيتها وعلاجها. واحدة من أكثر اللحظات حزنا في حياتي في السجن، كانت وفاة والدتي، والتجربة الموجعة الثانية هي وفاة ابني البكر في حادث مرور”.

في بلدي نذهب للسجن أولا، ثم نصبح رؤساء

في أواسط الثمانينات، أصبحت قضية سجن مانديلا سببا رئيسيا لإدانة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان للميز العنصري. وتزامن مع تدهور الوضع السياسي في جنوب إفريقيا، خاصة في الفترة التي لحقت سنة 1988، التي انخرط خلالها مانديلا في مفاوضات جدية مع الرئيس دي كلارك؛ نتج عنها إطلاق سراحه في 11 فيفري 1990، ليصبح رئيس حزب المؤتمر الإفريقي. وإيمانا منه بأن الشجعان لا يخشون السلام، لم يتوان مانديلا عن العمل على إنهاء العنصرية وتحقيق انتقال سلمي إلى ديمقراطية لاعرقية في جنوب إفريقيا تُوَجت بحصوله على جائزة نوبل للسلام سنة 1993 إلى جانب الرئيس دي كلارك، نظرا لدورهما في القضاء على الميز العنصري.  

في أفريل 1994، فاز حزب المؤتمر الافريقي بأول انتخابات عامة تشهدها جنوب إفريقيا. وأصبح على إثرها نيلسون مانديلا أول رئيس أسود لجنوب افريقيا. وفي 10 ماي من نفس السنة، أدى اليمين كأول رئيس حكومة متعددة الأعراق مختصرا مهمته كزعيم بقوله: “أنا لست المسيح، بل مجرد رجل عادي أصبح قائدا بسبب ظروف استثنائية”. 

لم يتوقف مانديلا عن عمله النضالي والإنساني، فأنشأ سنة 1995 لجنة الحقيقة والمصالحة للتحقيق في انتهاكات حقوق الانسان في ظل نظام الميز العنصري. وأشرف سنة 1996 على سن أول دستور ديمقراطي للبلاد، مواصلا بذلك العمل على تنمية جنوب إفريقيا والتقدم بها نحو مصاف الدول الناجحة، حتى أنهى عمله السياسي كرئيس سنة 1997 دون السعي إلى ولاية ثانية. اتجه مانديلا نحو العمل الدولي كناشط للسلام، وأنشأ مؤسسة “نيلسون مانديلا” سنة 1999. وتواصل احتفاء العالم بالرجل، لتعلن اليونسكو عن “يوم مانديلا” في 18 جويلية 2009 كيوم عالمي للاحتفال به.

غادر نيلسون مانديلا، أو “الأب” -كما يحلو للأفارقة تسميته- العالم يوم 3 ديسمبر 201 مخلّفا وراءه إرثا نضاليا يصعب تجاوزه تاريخيا وإنسانيا.                               

Author: Asmaa Zouaghi

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *